جريدة الطريق

حكايتي مع الشيخ منير فرج الله | مقال أكتوبر العدد 241

د. ناجي يوسف

ترجع معرفتي بالراحل العزيز الشيخ منير فرج الله، شيخ الكنيسة الإنجيلية المشيخية بالعطارين والذي يكبرني بـ 27 عامًا، إلى سنة 1979، يوم كنتُ في السنة الأخيرة في كلية طب أسنان القاهرة، وقتها كان الشيخ منير والذي كنا نناديه بـ “أنكل منير” هو المسئول الأول عن خدمة “الكامبس كروسيد” في مصر والتي كانت، ولا زالت، تتخذ لها اسمًا وهو “هيئة الخدمة الروحية وتدريب القادة”، حيث كان اسم “الكامبس كروسيد” ولا يزال يصعب ترجمته حرفيًا، وكان وما زال مصدر قلق وخوف للمسئولين عن الأمن المصري، لذا سُميت بـ “هيئة الخدمة الروحية وتدريب القادة”، والتي كانت ولا زالت تابعة لسنودس النيل الإنجيلي ويقودها الشيخ منير فرج الله وقتئذٍ، وكان يمثله في القاهرة ويعمل تحت  إدارته المهندس “ماهر فؤاد” زوج ابنة القسيس منيس عبد النور.

وبحكم إدارتي التطوعية لأكون قائد مجموعة العمل والتي كنا نطلق عليها الـ”action group” في الكلية، وهي المجموعات التي كانت هيئة “الخدمة الروحية وتدريب القادة” تشرف عليها ومسئولة عنها في مصر، فقد سمعتُ اسم الشيخ منير فرج الله يتردد على ألسنة كثير من المسئولين في المجموعة مرات عديدة. كان ماهر فؤاد، كقائد للهيئة في القاهرة، يقوم بعمل حفلة سنوية لشباب الجامعة تضم كل قادة وأعضاء مجموعات العمل ومَنْ يرغب في حضور الحفل السنوي من طلبة الجامعات المختلفة على مستوى القاهرة. كان الحفل السنوي يُعقد في قاعة ديلز بكلية رمسيس للبنات، وحيث إنه كان الحفل الوحيد الذي يقام خارج أسوار الكنيسة في قاعة ديلز، لذا كنتُ أنا دائم الحضور لهذه الحفلات السنوية بحكم مسئوليتي عن مجموعة كليتي، كما ذكرتُ سابقًا، وكطالب في الجامعة وقتها. بالطبع كانت الحفلات مراقبة من مباحث امن الدولة المصرية، ولذلك كان كل ما يقدم بها هو جرعة مخففة جدًا، لدرجة الميوعة، من الرسائل الروحية. وبعدما تخرجتُ من الكلية، تركتُ قيادة مجموعة “الأكشن جروب طب أسنان القصر العيني” لشخص آخر، وكان الأخ المهندس ماهر فؤاد لا يزال يقوم بعقد الحفلات السنوية بقاعة ديلز قبل أن يختلف مع الشيخ منير وينفصل عنه إلى غير رجعة.

في تلك الأثناء، تكلم لي الرب بوضوح أن أقوم بتأسيس هيئة “اتحادالشباب المسيحي”، وكنتُ يومها في سنة الامتياز التي بدأت في سبتمبر 1979 وانتهت في سبتمبر 1980. كانت هناك أسباب كثيرة “في رأيي الخاص” جعلت الرب الإله يطلب مني “تأسيس اتحادالشباب المسيحي المصري”، وأحد هذه الأسباب كان ندرة الحفلات التي كانت تقام مرة واحدة كل عام، وأيضًا لضحالة حفلات الجامعة من حيث التعليم الروحي الكتابي الذي كان يقدم فيها وبالتالي سطحية التأثير في النفوس لتخلص من خطاياها. لم أكن قد قابلتُ بعد، في ذلك الوقت، الأخ الحبيب منير فرج الله لكنني كنتُ قد سمعتُ عنه كثيرًا بسمع الأذن، والحقيقة أنني كنتُ أسقط عليه كل أخطاء وتصرفات قادة هيئته التي كانت كثيرة جدًا ضدي وضد خدمة “اتحادالشباب المسيحي” في ذلك الوقت، حيث كان يومها المسئول عن الخدمة في القاهرة قد تطرف في محاربتي ومحاربة اتحاد الشباب المسيحي منذ الحفلة الأولى التي عقدناها في مسرح مدرسة الدي لاسال بالظاهر، ولذا كنا يومها نرفض تمامًا عمل أي حفل للاتحاد في قاعة ديلز حتى لا يظن الناس أننا امتداد لهيئة الخدمة الروحية. كان المهندس الزراعي المسئول عن الهيئة في القاهرة لا يستطيع ان يستوعب كيف يمكن أن يكون هناك شخص اسمه ناجي يوسف، من كنيسة المسيح بشبرا، وهو ليس إنجيليًا مشيخيًا، وأبوه ليس شيخًا مشيخيًا، ويجرؤ مثل هذا الشخص النكرة، على حد تعبيره، على تأسيس هيئة اعتبرها مسئول الهيئة في القاهرة منافسًا رابحًا وقويًا لهيئة تدريب القادة؟

كان من ضمن ما كان يعمله هذا المسئول القاهري عن الهيئة هو أن يختار نفس الميعاد الذي نختاره نحن لعمل اجتماعنا بالدي لاسال، ويقوم بالإعلان عن اجتماع مماثل للهيئة في قاعة ديلز، وفي نفس توقيت اجتماعنا في الدي لاسال. وحيث إن كلينا نقوم بمحاولة جذب شباب الجامعة لمثل هذه اللقاءات، وكان الشباب يحتارون بشأن أي اجتماع يحضرونه فيؤثر ذلك سلبًا على كلا الاجتماعين، حتى كان ذات يوم أننا حددنا ميعاد إحدى حفلاتنا وحجزنا قاعة مدرسة الدي لاسال وقمنا بحجز فيلم “لص في الليل”، من الأخ الحبيب إميل القس إبراهيم عبد الله، مَنْ كان مسئولًا وقتها عن “المركز المسيحي للسمعيات والبصريات في الفجالة”. كان وقتها الأخ إميل يأتي بنفسه إلى اجتماعاتنا ليعرض لنا أفلام السينما التي كنا نختارها لعرضها للشباب المسيحي. وبعد أن قمنا بتوزيع الدعوات لحضور الاجتماع في الدي لاسال، بدأ المهندس المسئول عن هيئة تدريب القادة في توزيع دعوات حضور لقائه هو أيضًا، وأعلن في الدعوة أنه سيُعرض فيلم “لص في الليل”، ولم ينتبه أن اتحادالشباب المسيحي قد أعلن أنه سيعرض نفس الفيلم، في نفس الليلة. الفرق الوحيد بين عرض الفيلم في اللقاءين هو ان المهندس المسئول عن الهيئة لم يكن قد قام بحجز الفيلم مسبقًا قبل أن يعلن عن عرضه وتوزيع الدعوات الخاصة بلقائه، أما أنا فكنتُ قد قمتُ بحجز الفيلم ودفعت عربون عرضه قبل أن أطبع الدعوات أو أقوم بتوزيعها. لم تكن لدى المركز المسيحي للسمعيات والبصريات سوى نسخة واحدة من ذلك الفيلم، وهذه النسخة الواحدة إما تُعرض في لقاء اتحاد الشباب المسيحي أو في حفل الهيئة.

حاول المهندس المسئول إقناع الأخ إميل إبراهيم بأن يلغي اتفاقه معنا ويعطيه هو إمكانية عرض الفيلم في اجتماعه لكنه لم ينجح، حيث كان الأخ إميل رجلًا حكيمًا وروحانيًا وملتزمًا لا غش فيه، لم يجرؤ المهندس الذي كان قائدًا للكامبس كروسيد في ذلك الوقت أن يتصل بي مباشرة ويطلب مني التنازل عن عرض الفيلم وجعله هو يقوم بعرضه في اجتماعه، فأرسل لي صبيًا صغيرًا اسمه “أمير” كان يعمل كمتفرغ للخدمة معه مساعدًا له. في البداية، عندما تقابل معي أمير وطلب مني التنازل عن عرض الفيلم وتمكينهم من عرضه في اجتماعهم. لم أستوعب أنا الأمر لغرابته وأنانيته، فسألته: “هل قمتم بحجز الفيلم قبل وضع اسمه في الدعوة التي وزعتموها على الناس؟” قال: “لا”، فسألته: “ومَنْ هو المسئول عن هذا الخطأ من جهتكم؟ وهل تريدني أنا أن اعتذر للناس في الاجتماع وأظهر وكأنني قد خدعتهم بكتابة اسم فيلم لن نتمكن من عرضه في الحفل؟ ثم لماذا لا تعرضون أنتم فيلمًا آخر؟ فهذا خطؤكم ولا بد أن تدفعوا ثمن أخطائكم.” وبعد كثير من الأخذ والعطاء والمناقشة مع أمير، رأيتُ أنا أنه من باب إظهار المحبة للهيئة، ولعمل الرب، ولقائدها بالقاهرة والذي أعلم أنه كان ولا يزال يكرهني من كل قلبه حتى اليوم، لأنه يدلل على ذلك بكل الطرق وفي كل المناسبات، وأيضًا رأيتُ أنني لا بد من أن ألقنه درسًا عمليًا في المحبة والتضحية في الخدمة وفي أننا نخدم الرب معًا ولا ينبغي أن يكون بيننا أي تنافس من أي نوع، وأنني لم أؤسس اتحاد الشباب المسيحي لأسحب السجادة من تحت رجليه أو رجلي هيئة تدريب القادة، على حد تعبيره، لذا تنازلتُ عن عرض الفيلم في احتفالي مع الشباب وتركته له ليعرضه وليستمتع به هو والحاضرون لاحتفاله.

كانت هذه الحادثة وغيرها الكثير والكثير جدًا هي التي جعلتني أتخذ موقفًا معاديًا لهذه الهيئة وكل العاملين والخادمين بها إلى أن ترك ذلك المهندس العمل في الهيئة، بعد اختلافه مع الشيخ منير فرج الله لأسباب لا داعي للخوض فيها في هذا المقال، وبعد أن عرف كيف يتصل بنفسه بالهيئات الأجنبية والكنائس الخارجية الأمريكية لتعضده شخصيًا بعيدًا عن الهيئة. بعد استبعاد المهندس المذكور من الهيئة، تقابلتُ يومًا مع أنكل منير فرج الله، فوجدته شخصية محترمة، محبًا للرب والخدمة والآخرين، مشجعًا للشباب الصغير على شق طريقهم في الخدمة. قال لي يومها: “ناجي، لا تنسَ أننا نخدم الرب الواحد معًا في حقول مختلفة، لكننا جميعًا نزرع في أرض واحدة ونحصد لملكوت واحد، وأنا أعتذر لك عن كل ما سببه المهندس لك من مضايقات”، لم أصدق وقتها أذناي. أهذا الشخص هو أنكل منير فرج الله المسئول الأول عن هيئة تدريب القادة؟ هل من المعقول أن يكون هذا الرجل مخلصًا في كلامه ويعمل بحق لأجل الملكوت لا لأجل منفعة شخصية له ولعائلته؟ هل لديه الاستعداد حقًا لأن يتعاون معنا في اتحادالشباب المسيحي، الهيئة التي كان صاحبنا المهندس، والذي لا زال على قيد الحياة، يعتبرها منافسه الأول ويعمل كل ما بوسعه لكي يميتها ويتخلص من قادتها؟ استطعتُ أن أرى في عيني أنكل منير الإخلاص وحب مساعدة الآخرين، فقلتُ له، ربما لأختبره وأسترجع ثقتي بهيئته: “أنا مزمع أن أقيم حفلًا لاتحادالشباب المسيحي في الإسكندرية، فهل يمكن أن تقوم مجموعتكم بالإسكندرية بتوزيع الدعوات الخاصة بها على الشباب هناك؟” قال: “بكل سرور. أرسل لي أي كمية من الدعوات وأعدك بأننا سنقوم بتوزيعها كلها قبل ميعاد الحفل.” أرسلتُ له الدعوات وقام هو ومجموعته في الإسكندرية بتوزيعها بالفعل، ثم قلتُ له: “إن لديَّ مؤتمر للاتحاد وأريد أن أعرض بعض الصور والتعليقات على شاشة كبيرة، وكما تعلم يا أنكل فنحن لا نملك overhead projector، فهل من الممكن أن أستعيره منك ومن الهيئة لمدة ليلة واحدة وأرجعه لك؟” قال لي: “ولو أننا لا نقوم بإعارة آلات خدمتنا غالية الثمن لأي مجموعة خوفًا عليها من سوء الاستخدام أو الإتلاف، لكنني أعرف أنك شخص ملتزم، لذا بكل سرور سأطلب من المسئولين في القاهرة أن يعيروك إياه لتستخدمه في اجتماعك ولقائك.”

كان منير فرج الله لا يتكلم فقط عن محبة الرب ومحبة الإخوة وعمل الرب، بل كان بالنسبة لي وللكثيرين مثالًا يُحتذى طيلة أيام حياته ونموذجًا للتواضع وإنكار الذات، للدرجة التي معها عندما بدأت مجموعات “الأكشن” في الذبول بسبب قائدها القاهري. قال لي قادة اتحاد الشباب المسيحي: “لماذا لا نقوم نحن أيضًا كاتحادشباب بعمل مجموعات صغيرة من طلاب الكليات في الجامعة، فلدينا شباب وطلاب بكل جامعة من جامعات مصر يمكننا أن نبدأ بهم حركة كرازة كبيرة ونصل للآلاف من الطلبة؟” لم أكن أرى يومها أنه يجب علينا أن نبدأ مثل هذه الخدمة مادام أنكل منير هو المسئول الأول عن خدمة مماثلة في الجامعات المصرية.

كان الشيخ منير لا يخشى المنافسة في الخدمة، ولم يكن يعتبر الخدام ولا الخدمات الأخرى كمنافسين له ولخدمته، بل كمكملين ومساعدين على نمو جسد المسيح.

يومًا ما كنتُ في طريقي لأعظ في مؤتمر للشباب بالإسكندرية، في القطار المجري المكيف، وكنت أجلس ناظرًا من الشباك غير منتبه لمن يسير في طرقات القطار، وجدتُ شخصًا بجانبي يربت على كتفي، وإذ به الشيخ منير فرج الله، سلم عليَّ بحرارة وسألني عن سبب نزولي للإسكندرية وعن زوجتي أماني وعن الخدمة واتحاد الشباب المسيحي واجتماعاته. كانت هيئة تدريب القادة في مصر وقتها تعاني من قلة الخدام المكرسين والقادة أصحاب الرؤى الإلهية الحقيقية، وكان أنكل منير يبحث عن شخص مثقل بالخدمة ومستخدم من الله للوصول للنفوس البعيدة عنه، قال لي أنكل منير: “ناجي، أنا كنت بتكلم عنك لقادة مجموعاتنا بالقاهرة في اجتماعنا بالأمس”، فضحكتُ وقلتُ له: “خير اللهم اجعله خير”، قال: “خير، كنتُ أقول لهم: “أنا عارف إن ناجي دكتور أسنان ومش متفرغ بالكامل للخدمة، لكن أنا مستعد لإعطائه أي مرتب شهري يطلبه إذا وافق على قيادة خدمتنا في القاهرة، وأنا كمان عارف إنه قائد اتحادالشباب المسيحي.” ناجي، أنا كنتُ أقارن بين ما تقوم أنت ومجموعة القادة معك في اتحاد الشباب من خدمات واجتماعات ومؤتمرات وحفلات بخدمتنا نحن في الهيئة، مع أنكم لا إمكانيات مادية لكم، ولا هيئات أجنبية تساعدكم في خدماتكم، ونحن مَنْ نتبع هيئة أمريكية كبرى ولدينا الموارد التي نحتاجها لكي نخدم في مصر ونغيرها، لكننا ينقصنا القادة المكرسين لعمل الرب كالإتحاد.” تجاذبنا أطراف الحديث قبل أن نفترق ويذهب كل منا إلى حال سبيله.

في مطار فرانكفورت في ألمانيا، كنتُ أتناول طعام الغذاء في أحد المطاعم المكتظة بالآكلين، وفجأة نظرتُ حولي فوجدتُ رجلًا يبدو أنه أمريكي ويجلس حوله على الطاولة أربعة من الشباب، فقلتُ لنفسي: “هذا الرجل لا بد أنه قس أو خادم، وأعتقد أنني رأيته من قبل.” كان معي كتابي المكتوب بالإنجليزية والذي كان عنوانه “Let My People Go So They Can Worship Me”، والذي ترجمته أطلق شعبي ليعبدوني، فقررتُ أن اذهب وأعطي نسخة منه لذلك الشخص. عندما اقتربتُ إليه عرفتُ أنه هو “جوش ماكدويل”، الكاتب المشهور، والذي له عدة مؤلفات مترجمة للعربية، والذي اشترك معه راحلنا العزيز منير في كتابة وتأليف وتمصير رواية “الشاهد”. اقتربتُ من جوش وقدمتُ له الكتاب وقلتُ له: “أنا اسمي ناجي يوسف من مصر”، فأخذ جوش مني الكتاب وقال: “ناجي يوسف، أنا سمعت عنك كتير”، فابتسمتُ وقلتُ له: “أشكرك”، وكنتُ أعتبر ما قاله لي جوش مجاملة لكن “وسعت منه شوية”، فكيف يمكن أن يكون جوش قد سمع عني أنا العبد الفقير إلى الله؟ نظر إليَّ جوش وقال لي: “ناجي، أنا سمعتُ عنك وعن خدمتك في مصر من أنكل منير فرج الله”، وعندها صدقتُ أنه يقول الصدق وليس لمجرد مجاملتي وقلتُ لنفسي: “يا له من رجل عظيم هذا الرجل منير فرج الله، حتى أنه يتكلم عني في غيابي مع شخص عظيم كجوش ماكدويل.”

هناك موقف آخر أظهر فيه منير فرج الله مدى الحكمة التي كانت له من الرب ومدى محبته لي واهتمامه بنجاح الخدمة بغض النظر عن المسئول عنها، ونجاح خدمتي أنا بالذات حتى في الإسكندرية، مكان عمله وخدمته هو للرب، مع أنني أنا من القاهرة ولستُ من الإسكندرية. كانت الحادثة التالية في سنة 1985 عندما قمتُ بدعوة القس “ريتشارد وورمبراند” مؤلف كتاب “العذاب الأحمر” إلى مصر. كنتُ يومها أقوم بعمل الجدول الخاص بالقس ريتشارد، للحديث في لقاءات واجتماعات وقاعات مختلفة بمصر، وكانت الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، واحدة من المدن التي قررتُ أن اعقد بها اجتماعًا للقس ريتشارد. وقع الاختيار على بيت مؤتمرات الفيرهفن التابع لكنيسة السراي الإنجيلية المشيخية بالإسكندرية لإقامة حفل كرازة وترنيم يتكلم به القس ريتشارد. كان رجل الله الممتلئ من الروح القدس القس لبيب قلدس قد رقد في الرب قبل مجيء ريتشارد إلى مصر بشهور قليلة، ثم تم تعيين القس جندي إبراهيم خليفة له في الكنيسة. ذهبتُ إلى القس صموئيل حبيب أطلب منه خطاب توصية للقس جندي حيث إنني لم أكن أعرفه شخصيًا. رحب القس صموئيل باقتراح إعطائي خطاب توصية للقس جندي إبراهيم وطلب من “أنكل آخر”، أكني عن اسمه بالحروف الأولى منه وهي “چ. ص.”، إعطائي خطاب توصية للقس جندي يكتب فيه أنني، ناجي يوسف، تابع لرئاسة الطائفة الإنجيلية والقس ريتشارد وورمبراند مدعو من جانبي بموافقة ومباركة القس صموئيل حبيب والمطلوب هو تأجير القاعة الكبرى لبيت الفيرهفن للمؤتمرات لعقد اجتماع يعظ به القس ريتشارد. طلب القسيس صموئيل من (چ. ص.) هذا الطلب أمامي، كان (چ. ص.)، يعرفني جيدًا وقد تمكن من إلغاء كثير من الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات لاتحادالشباب المسيحي بسبب بغضه الشديد لي بسبب أنني لستُ إنجيليًا مشيخيًا وقمتُ بعمل جماعة أطلقتُ عليها اسم “اتحادالشباب الإنجيلي”، كما كان يظن أن هذا هو اسم هيئتنا، وكما قال لي هو بنفسه يوم سألناه، زوجتي وأنا، وفي بيته، قائلين: “أنكل (چ. ص.)، قل لي من فضلك لماذا تضطهدني وتقف ضد خدمتي ومجموعتي بالمرصاد؟ هل أنا أخطأت في حقك أو في حق الخدمة بأي شيء؟ من فضلك قل لنا السبب.” أجابنا (چ. ص.): “السبب هو أنك عامل مجموعة اسمها اتحاد الشباب الإنجيلي” وأنت لست إنجيليًا مشيخيًا.” أجبته: “أخ (چ.)، حضرتك فاهم الموضوع خطأ، اسم مجموعتي “اتحاد الشباب المسيحي” وليس “اتحاد الشباب الإنجيلي”، وأنا لا أعمل وسط الكنائس الإنجيلية، لا مشيخية ولا غير مشيخية. نحن هدفنا الوصول للشباب المسيحي الضال وغير المتردد على الكنائس.” عندها قال لي (چ. ص.): “إنت بتكذب عليَّ أنا، أوراق مجموعتك كلها موجودة في مكتبي.” أجبته: “من فضلك غدًا عندما تذهب إلى مكتبك، أخرج الأوراق الخاصة بمجموعتنا وإن كان الاسم الذي سجلنا به مجموعتنا “اتحاد الشباب الإنجيلي” فلك مطلق الحرية أن تفعل ما تريد معنا، أما إن كان اسم مجموعتنا هو “اتحادالشباب المسيحي”، وليس الإنجيلي، فأرجوك كف عن محاربتي ومحاربة خدمة مجموعتنا.”

كان السيد (چ. ص.) هو المسئول في ذلك الوقت، ولفترة صغيرة، عن هيئة الخدمة الروحية وتدريب القادة في القاهرة، وفي الوقت نفسه كان الذراع اليمنى للقس صموئيل حبيب ونائب مدير الهيئة القبطية للخدمات الاجتماعية. وكان كلما سأله أحد عني أو عن علاقتي بالقسيس صموئيل حبيب أو رئاسة الطائفة الإنجيلية أنكر بشدة أن القسيس صموئيل يعرفني أو أنني أتبع رئاسة الطائفة من قريب أو بعيد. عندما طلب منه القسيس صموئيل أن يكتب لي خطاب توصية للقس جندي إبراهيم، قال لي (چ. ص.) أمام القسيس صموئيل: “ناجي، تعال معي إلى مكتبي على أساس أنه سيكتب الخطاب وسيعطيه لي. وما أن وصلنا الى مكتبه، هو وأنا، حتى قال لي: “يا ناجي، هو إنت محتاج جواب توصية لجندي إبراهيم نقول له فيه إنك تابع لرئاسة الطائفة؟ هو فيه حد في كل الطائفة الإنجيلية لا يعلم أنك و”اتحاد الشباب المسيحي” تابعين للقس صموئيل حبيب ورياسة الطائفة؟ إنت مش محتاج لخطاب توصية. اذهب إلى جندي إبراهيم واطلب منه إعطاءك المكان وإذا رفض أو إن كان يريد أن يسأل عن أي شيء يتعلق بك أو باتحادالشباب فدعه يكلمني بالتليفون، وأنا سأقول له إنك تابع لرئاسة الطائفة، والقسيس صموئيل موافق على دعوة ريتشارد وورمبراند.” عبثًا حاولتُ أن أنتزع منه خطاب توصية للقس جندي كما طلب منه القس صموئيل ففشلتُ. تركته وسافرتُ إلى الإسكندرية مع زوجتي د. أماني وتقابلنا مع ابنة القسيس لبيب قلدس (إ. ل.) والتي كانت تربطنا بها، أماني وأنا، علاقة طيبة للغاية والتي كانت تعمل كمديرة لبيت الفيرهفن والمسئولة عن حجز المؤتمرات واللقاءات به، والتي كانت تساعدنا كل مرة ننزل فيها ضيوفًا على بيت الفيرهفن سواء للخدمة أو لعقد الاجتماعات او حتى كزيارات عائلية للإسكندرية.

شرحتُ لها السبب في مجيئنا، أماني وأنا، وهو لتأجير القاعة الكبرى بمبنى الفيرهفن للمؤتمرات لإقامة لقاء روحي مع القس ريتشارد وورمبراند. أجابت صديقتنا” “بكل سرور، لكن القس جندي غير متواجد بالإسكندرية الآن، وهو كما تعلمون أصبح القس المسئول عن الكنيسة بعد وفاة بابا وربما لا يعرفك يا ناجي من أنت، لذا سأعطيك ورقة وقلمًا لتكتب له طلبًا لاستخدام وإيجار القاعة. اذكر له اسمك وعنوانك واسم مجموعتكم واسم القس ريتشارد والسبب الذي تريد لأجله تأجير القاعة والتاريخ المقترح لحجز القاعة، ولا تنسَ أن تكتب له أن “اتحاد الشباب المسيحي” هيئة مصرية تابعة لرئاسة الطائفة الإنجيلية برئاسة القس صموئيل حبيب حتى يطمئن لكم ويسمح بتأجيركم القاعة، وأنا من جانبي سأقوم بالواجب وأؤكد له أنني أعرفكم شخصيًا، وتعال الأسبوع القادم لحجز القاعة ودفع مقدم الحجز.” شكرتها وكتبت كل شيء عني وعن “اتحاد الشباب المسيحي” وتبعيته لرئاسة الطائفة الإنجيلية ووقعتُ أسفل الطلب وتركته لها لتعطيه للقس جندي راعي الكنيسة.

وبعد أسبوع بالضبط سافرنا، زوجتي وأنا، إلى الإسكندرية وذهبنا للتو إلى بيت الفيرهفن، عندما تقابلنا مع صديقتنا (إ. ل.) فوجدناها مضطربة على غير عادتها معنا، تنظر لنا بنظرات حائرة، وعينين تدلان على أن شيئًا ما قد حدث عكر صفو علاقتنا. سألتها بعد السلامات والتحيات: “إيه الأخبار؟”، فقالت لي (إ. ل.): “ناجي، أنا مضطربة وعندي سؤال محيرني من جهتك ولو إني متأكدة من إجابته.” قلتُ لها: “اتفضلي، اسألي.” قالت: “ناجي، أنا متأكدة إن “اتحاد الشباب المسيحي” هو تابع لرئاسة الطائفة الإنجيلية، فهذه ليست المرة الأولى التي أقابلكما بها أو التي تأتي فيها لطلب عقد اجتماعكم بالفيرهفن، لكني أريد أن اسمع من فمك الآن إجابة سؤالي: هل أنت حقًا تابع لرئاسة الطائفة الإنجيلية، والقسيس صموئيل حبيب هو المسئول عن “اتحاد الشباب المسيحي”؟” عندها عرفتُ تمامًا ما حدث، فقلت لـ (إ. ل.): “صدقيني يا (إ.)، “اتحاد الشباب المسيحي” تابع لرئاسة الطائفة الإنجيلية وقائده المباشر هو القس صموئيل حبيب، وأنا سأعفيكِ من أن تقولي لي ما حدث مع القسيس جندي لأني أعلم أن موقفك حساس، وهذا يا صديقتي ما حدث، القسيس جندي لا يعرفني شخصيًا، وأراد أن يتأكد أنني بالحقيقة تابع لرئاسة الطائفة والقسيس صموئيل حبيب، فقام بالاتصال بالأخ (چ. ص.) وسأله عني، وأنا متأكد أن (چ. ص.) قال له: “ناجي يوسف شخص كذاب، ولا يتبع رئاسة الطائفة، وأنا لم أوافق على إعطائه خطاب توصية لك، ولا تعطه القاعة لعمل اجتماعه بها.” سألتُ (إ. ل.): “أليس هذا ما حدث؟” أجابت: “نعم، هذا عين ما حدث بالضبط.”

وبينما كانت (إ. ل.) تتحدث معي، أخذ ضغط دمي يرتفع ويحمر وجهي وأعصابي تتوتر، في تلك اللحظات فُتِحَ باب مكتب القسيس جندي إبراهيم وخرج منه أنكل منير، ولاحظ أنكل منير اضطرابي وانفعالي واحمرار وجهي وأنا أتكلم مع (إ. ل.) فسألنا: “ما لكم يا أولاد، فيه إيه؟ مالك يا ناجي متضايق ليه؟” رويت لأنكل منير القصة كاملة منذ أن ذهبتُ إلى مكتب القس صموئيل وإحالته أمر كتابة خطاب التوصية للسيد (چ. ص.) حتى معرفتي لرد القسيس جندي عليَّ بهذا الخصوص. قال أنكل منير: “يا ناجي يا حبيبي، القس جندي شخصية جميلة، والأخ (چ. ص.) مش ممكن يكون عمل اللي أنت متخيله ده”، فأجبته: “القسيس جندي ما يعرفنيش لكن (چ. ص.) عمل معايا الحكاية دي أكتر من مرة في أكتر من مناسبة.” قال لي الأخ منير: “ناجي، هدئ نفسك وأعصابك، القس جندي صديقي وأنا سأدخل أشرح له الأمر بنفسي وإن شاء الله هينحل الموضوع وتعمل لقاءك هنا بالفيرهفن.”

تركني الأخ منير ودخل للقس جندي، بعد ربع ساعة تقريبًا، وزوجتي وأنا نقف خارج الباب، خرج منير فرج الله من مكتب القس جندي حزينًا وقال لي: “مفيش فايدة، القسيس جندي رفض يعطيكم القاعة وقال لي إن كانت رئاسة الطائفة التي يقول ناجي إنه ينتمي إليها تقول عنه إنه كذاب، وهذا ما قاله لي أكبر المسئولين عنها في الهيئة القبطية للخدمات الاجتماعية الأخ (چ. ص.) هو بنفسه قال لي إن ناجي كذاب، وإنه رفض إعطاءه خطاب توصية لي حتى لا نعطيه المكان لعقد اجتماعه، فكيف تطلب مني الموافقة على السماح له باستخدام القاعة؟” قال لي منير: “حاولتُ بكل الطرق معه، قلتُ له: “أنا اعرف ناجي معرفة شخصية، وأنا أؤكد لك أن ناجي تابع لرئاسة الطائفة لأني حضرتُ الاجتماع التأسيسي للاتحاد والذي أعلن فيه القس صموئيل حبيب أمامنا جميعًا أن ناجي والاتحادتابعان له هو شخصيًا كرئيس الطائفة. أرجوك أعطه القاعة وأنا سأكون المسئول عنه وعن الاجتماع، أو كحل بديل أعطني أنا القاعة أجرها لي أنا شخصيًا وأنا أستضيف ريتشارد”، عملتُ المستحيل، لكنه رفض رفضًا باتًا.” ثم أكمل أنكل منير وقال لي: “أخيرًا وبعد أن فشلت كل محاولاتي قلتُ لجندي: “آنت تعلم أن لديَّ أنا منير فرج الله اجتماعًا أسبوعيًا مع السودانيين وبعض طلبة الجامعات هنا في مبنى الفيرهفن، وأنا حر أدعو فيه مَنْ أشاء، لذا فأنا قررتُ أن أدعو ريتشارد في اجتماعي.” سألته: “وماذا كان رده على هذا؟” فقال لي إن القسيس قال له: “هذا اجتماعك وأنت حر فيه تدعو مَنْ تدعو”، أما القاعة الكبرى للفيرهفن فقرارها معه هو ولن يسمح لنا باستخدامها، بعدها قال لي الأخ منير: “ناجي، لا تغضب ولا تعتب على القسيس، لأن الذين قلت إنك تبعهم هم الذين قالوا للقسيس إنك تكذب عليه، فماذا تتوقع من القسيس أن يفعل؟” قلت له: “أتوقع أن يصدق شخصًا مثلك وليس أولئك الكذبة.” قال: “ولا يهمك. تعال أنت وريتشارد ودعه يخدم في اجتماع السودانيين وشباب الجامعة، وجندي إبراهيم لن يقدر أن يمنعه لأن هذا هو اجتماعي أنا، وأنا أقوم بدفع إيجار المكان الشهري لعقد الاجتماع.” وهكذا حضر ريتشارد إلى بيت مؤتمرات الفيرهفن وخدم في اجتماع أنكل منير فرج الله، وكان يومًا مشهودًا توجه الروح القدس بالتواجد فيه والتأثير في الحاضرين للدرجة التي لا زلتُ معها أتذكر كل ما قاله وعلَّمه القس ريتشارد في ذلك اليوم.

لم يكن منير فرج الله حكيمًا مؤثرًا خادمًا أمينًا فقط بل كان معطاءً أيضًا بلا حدود، وللتدليل على ذلك أذكر أنني عندما جئتُ للعيش في أمريكا كان شغلي الشاغل هو كيف أستخدم إقامتي في أمريكا لخدمة مصر وأهلها والكنيسة بها. كان ضمن الأفكار التي شغلت بالي كيف يمكنني أن أقدم برنامجًا تلفزيوني للمتحدثين بالعربية في أمريكا. لم تكن هناك فضائيات مسيحية بعد، ولم يكن معظم مؤسسي الفضائيات المسيحية اليوم قد جاءوا إلى أمريكا بعد، وبالفعل قمتُ بحجز نصف ساعة أسبوعيًا على القناة 18 التليفزيونية المحلية في سان دييجو، كاليفورنيا، وبدأتُ بث برنامج “نور وحق” من كنيستنا “الحصاد الأخير” بإلكاهون، سان دييجو.

كنتُ أتحدث في البرنامج عن المسيح ومعجزاته وتعاليمه، فأحببتُ أن أستخدم مقاطع من فيلم “يسوع” الذي أنتجته هيئة “الكامبس كروسيد” العالمية، والذي كان له انتشار وتأثير كبير في العالم أجمع. حاولتُ التواصل مع الهيئة في أمريكا لإعطائي تصريحًا باستخدام مقاطع صغيرة من الفيلم لا تزيد مدة كل منها عن دقيقة واحدة فلم أستطع. وأخيرًا تذكرتُ أن أنكل منير هو المسئول عن الكامبس في مصر، ولعلمي بمحبته لي ولعمل الرب قررتُ أن أسافر إلى الإسكندرية لمقابلته في واحدة من المرات التي سافرتُ فيها إلى مصر. رحب بي أنكل منير كعادته وأخذ يسألني عن خدمتي في مصر وفي أمريكا وتكلمنا في أمور كثيرة، وفي نهاية الجلسة قلتُ له: “أنكل منير، أنا جاي النهاردة وعندي طلب منك أرجو أن تساعدني للحصول عليه.” قال: “أؤمر يا ناجي”، قلتُ له: “أنا عندي برنامج تلفزيوني في سان دييجو كاليفورنيا وأريد أن أستخدم بعض المقاطع من فيلم “يسوع”، والحقيقة أنني بحثتُ كثيرًا وحاولتُ الوصول إلى أحد المسئولين عن توزيع الفيلم في أمريكا لأحصل على موافقته على استخدام مقاطع لا يزيد كل منها عن دقيقة زمن من الفيلم لكني فشلتُ في التواصل مع أي من المسئولين عن الفيلم. وبصفة حضرتك مسئولًا عن الكامبس في مصر، هل يمكن أن تدلني على مَنْ أستطيع التواصل معه؟” ضحك الأخ منير وقال لي: “أكيد، وبكل سرور، يمكنك التواصل معي أنا، وأنا سأعطيك الموافقة. أنا لديَّ الحق في التصرف في الفيلم وترجمته للغة العربية كما أشاء، ومن حقي أن أعطيك الترخيص لاستخدام الفيلم أو بثه حتى كله في برنامجك.” لم أصدق أذناي وعيناي وأنا أرى منير فرج الله يخرج القلم من جيبه ويكتب لي تصريحًا رسميًا باستخدام فيلم “يسوع” في برنامجي التلفزيوني. لم أجد كلمات شكر كافية لتعبِّر له عن امتناني لهذه الثقة الغالية بي ومساعدتي في الحصول على تصريح باستخدام الفيلم. وقبل أن اتركه قلتُ له: “اسمع يا أنكل منير، في كل مراحل حياتي أنت أثبت أنك شخص محب لي وللخدمة، وأنا اعلم أنك تعمل هذا من قلبك الطيب مع كل القادة والشباب الذين تعرفهم، لكنني أعتقد أنه قد جاء دوري لكي أعمل أنا كأخيك الصغير شيئًا لك ولخدمتك في مصر. أنا أعلم مدى كبر هيئة الكامبس في كل العالم وبالتالي أنا متوقع أنك لا تحتاج لصغير مثلي لمساعدتك في أي شيء تحتاجه للخدمة، لكني أريد أن أعمل شيئًا ولو بسيطًا لرد جمايلك عليَّ وعلى خدمتي ولمساعدة خدمتك.” ضحك الأخ منير وقال لي: “شكرًا يا ناجي. أنا لا أحتاج في خدمتي إلا إلى شيء واحد فقط، لكن هذا الشيء الواحد الذي أريده وأتمنى الحصول عليه في خدمتنا في مصر لا يمكنك ولن تستطيع عمله لي، لا أنت ولا أنا ولا حتى الكامبس كهيئة عالمية.” أجبته بشغف: “من فضلك قل لي ما هو هذا الشيء الواحد الذي تحتاجه ولا يستطيع أحد أن يوفره لك.” قال: “أحتاج كاسيت دوبليكيتور، ماكينة طباعة كاسيتات للمسجل، لأن الشباب يحتاجونها لعمل نسخ من شرائط كاسيت الخدمة ولكنهم يضطرون لاستخدام الريكوردرات في عمل النسخ، حيث إنه من شبه المستحيل أن نوفر لهم جهازًا سريعًا، وهذا مرهق جدًا بالنسبة لهم ويستغرق منهم الكثير من الوقت.” أكمل الأخ منير: “حاولنا إدخال حتى ماكينة واحدة مع أحد المسافرين فلم نتمكن.” كنتُ أعلم أنه من رابع المستحيلات أن يتمكن شخص ما من إدخال مثل هذه الطابعة لشرائط الكاسيت الصوتية لأننا كنا في كنيسة المسيح قد حاولنا إحضار واحدة من الخارج لكن البوليس احتجزها في مطار القاهرة لمدة أكثر من سنة كاملة، وزرنا بسببها مكاتب كل رجال الأمن المصري حتى نحصل على تصريح خروجها من المطار ودفعنا عليها ضرائب وأرضيات وإكراميات أضعاف ثمنها حتى تمكنا من فك الحصار حولها والحصول عليها. ضحكتُ أنا أيضًا وقلتُ للأخ منير: “صعبت السؤال، لكنني أعدك انني سأحاول أن أحضر لك هذا الجهاز معي في زيارتي القادمة بإذن الرب.”

عندما قمت بزيارته في المرة التالية للقائي به ووعدي له بأنني سأحاول أن أحضر له طابعة الشرائط الكاسيت كنتُ قد نجحتُ في إدخالها إلى مصر وكنتُ أحملها معي في زيارتي له، سألني أنكل منير: “يا ناجي، إنت بتحاول تقنعني إنك أحضرت طابعة الشرائط دي من أمريكا معك وعبرت بها حاجز رجال الجمارك الحديدي؟” ابتسمتُ وحركتُ رأسي للإيجاب بنعم، فقال الشيخ منير: “لم أكن أعلم انك جرئ بل ومتهور لهذه الدرجة.” ضحكنا معًا وقلتُ له: “لما أنكل منير يطلب حاجة من ناجي، الأرض والسماء ستساعدان ناجي لإحضار ما طلبه رجل الله أنكل منير”، ثم قلتُ له: “أنا جبت لك الطابعة لكن مفيش حاجة ببلاش، لازم تدفع ثمنها.” قال ضاحكًا: “أنا مستعد أن أدفع أي ثمن تطلبه في هذه الطابعة”، أجبته: “الثمن الذي أريدك أن تدفعه هو أن تأتي أنت ومدامتك العظيمة، فيولت، لزيارتنا، أماني وأنا، في سان دييجو بكاليفورنيا”، أجابني: “أعدك أنني في أول مرة أكون فيها بأمريكا سآتي لأزوركما وأقضي معكما، أماني وأنت، بضعة أيام في سان دييجو.” وقد كان، جاء لقضاء ثلاثة أيام كاملة معنا على ضفاف المحيط، وكم كانت زيارته مع زوجته الراحلة مفرحة ومشجعة لأماني ولي. نعم، كان منير فرج الله شخصًا حلو العشرة، مبتسمًا، خفيف الظل، طيب القلب.

في زيارته تلك لسان دييجو، علَّمني منير فرج الله أن مسامحة المخطئ في حقي والغفران له ونسيان الإساءة أمر مهم للغاية، لا لمن سامحته فقط بل لي أنا أولًا، وهي حقائق كنتُ أعرفها وأحاول أن أعيشها، لكن منير فرج الله جسَّدها لي عندما كنتُ أشكو له من صاحب مكتب نشر في القاهرة وكيف كان يقوم بسرقة أموال الخدمة التي أعطيها له لإتمام عمل الله من خلال طباعته لبعض كتبي وأشياء آخر، قال لي: “ناجي، هذا الشخص لم يسرقك أنت فقط، هو دأب على سرقة الكثيرين، حتى أنا الذي كنتُ أريد أن أساعده ماديًا وأطبع لديه مطبوعات الهيئة سرق مني شيكًا بعشرة آلاف جنيه مصري، ولم يعمل أي حساب لكوننا خدامًا للمسيح، أو لكون هذه المبالغ ملكًا للمسيح، ولا حتى لكوننا كنا جيرانًا نسكن في عمارة واحدة بالقاهرة، وعندما واجهته بسرقته وكان بإمكاني أن أدخله السجن، أصر على إنكار السرقة، فلم أجد أمامي إلا مسامحته وطلب الغفران له من الله.”

ثم قال لي: “ناجي، أوصيك بأن تساعد فلان الفلاني، هو مقيم هنا بأمريكا وهو عضو في إحدى الكنائس بجنوب كاليفورنيا”، فقلت: “ما قصته هذا أيضًا، وكيف يمكنني مساعدته؟، قال: “هو خرج من السجن حديثًا ويحتاج لمساعدة”، ضحكت وقلت له: “حضرتك بتقول خرج من السجن حديثًا وعايزني أنا أساعده؟” قال: “نعم، لا تنسَ أنه أخونا وحتى لو اخطأ وحُكم عليه بالسجن نتيجة لخطئه فمن يمكن أن يساعده حتى يبدأ حياة جديدة مع المسيح غيرنا؟”، أجبته: “طلبات أنكل منير من ناجي أوامر”، وقمتُ فعلًا بمساعدته.

في كل صباح عيد ميلادي أو الكريسماس أو عيد القيامة كنتُ أذكِّر نفسي قبل أن أنام في الليلة السابقة للمناسبة وأقول لها: “تذكري يا نفسي أن تتصلي بأنكل منير وتعيدي عليه ولا تنتظري حتى يتصل هو بك”، لكنه كان دائمًا يسبقني في الاتصال بي، حيث إنه كان يعيش في ولاية تسبق توقيت كاليفورنيا بثلاث ساعات، ففي السابعة صباحًا في كاليفورنيا كان يتصل بي ويهنئني بكل مناسبة ويطمئن عليّ وعلى زوجتي وأولادي وخدمتي.

إلى لقاء قريب، أخي وحبيبي وصديقي وأستاذي منير فرج الله. هنيئًا لك سلامة الوصول إلى حبيبنا يسوع وفي انتظار اللقاء القريب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى