د. ناجي يوسف
لست ُأدري لماذا قفز إلى عقلي المثل المصري المضحك المبكي والذي نصه “بعد ما شاب وَدُوه الكُتَّاب” عندما طالعتنا الصحف والمجلات والتليفزيونات يوم الأربعاء 23 يوليو2025 بخبر البيان المشترك الصادر من وزارتي الأوقاف والتربية والتعليم والتعليم الفني، بعودة نظام الكتاتيب في المساجد للأطفال قبل السن القانوني لدخولهم المدارس الابتدائية، ذاك المثل “بعد ما شاب وَدُوه الكُتَّاب” الذي عادةً ما يقال عندما يبدأ شخص مسن أو عجوز بالرجوع إلى ما كان في طفولته أو شبابه من أمور لا يصلح لممارستها ولا يحل له أن يعملها بسبب كبر سنه أو فوات الأوان على ما كان يمكن أن يعمله من أمور وخلافه، فالمثل يصف تصرفًا أو عملًا ما من كبير لا يليق القيام به والإتيان به إلا من صغار السن أو الخبرة أو كليهما، فلقد فات وقت الكتاتيب وشاخ زمانها وشاب شعرها ولم يعد يصلح أن تعود الأمور والأيام لما كانت عليه. وقد أصدرت كل من وزارة الأوقاف ووزارة التربية والتعليم والتعليم الفني ممثلتين في وزرائهما الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، والسيد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بيانًا مشتركًا جاء به ما نصه:
بيان مشترك من وزارتي الأوقاف والتربية والتعليم والتعليم الفني
إنفاذًا للتوجيهات الرئاسية:
وزيرا الأوقاف والتربية والتعليم يوقعان بروتوكول تعاون لإطلاق حضانات تعليمية بالمساجد
إنفاذًا لتوجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في تحقيق التعاون بين الوزارات لخدمة المواطنين، استقبل الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، بمقر ديوان عام الوزارة، السيد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، لتوقيع برتوكول تعاون من أجل الاستفادة من المساجد في تقديم خدمات رياض الأطفال قبل سن التعليم الإلزامي.
وتخلل اللقاء أيضًا بحث سبل تفعيل البروتوكول على أرض الواقع، والارتقاء بمستوى التعاون بين الوزارتين في المجالات التربوية والتعليمية، وتنسيق الجهود لغرس القيم الأخلاقية وتعزيز الهوية الوطنية لدى النشء.
وأكد وزير الأوقاف خلال اللقاء اهتمامه البالغ بكل ما يدعم العلم والتعليم ومحو الأمية، وأن هذا أحد أعظم أهداف وزارة الأوقاف، وأن المساجد ينبغي أن تتحرك لدعم كل الجهود التعليمية للدولة، فغرس القيم الأخلاقية والدينية في نفوس الطلاب وترسيخ الانتماء الوطني يمثلان ضرورة مُلحَّة في ظل ما يواجهه أبناؤنا من انفتاح شديد على الوسائل الرقمية الحديثة، مشيرًا إلى أهمية التعاون بين الوزارتين وحُسن استغلال مقوماتهما بما يحقق أهداف بناء الشخصية المصرية الأصيلة، وتنمية حب القراءة والاطلاع، وربط الأجيال بتراثها الثقافي والحضاري.
من جانبه، أعرب السيد الوزير محمد عبد اللطيف عن سعادته البالغة بإتمام هذا البروتوكول، متوجهًا بالشكر الجزيل إلى وزير الأوقاف وقيادات الوزارة على ما بذلوه من جهد وعلى ما سيبذلونه في سبيل إنجاح هذه التجربة بالتعاون مع زملائهم في وزارة التربية والتعليم، مؤكدًا حرص الوزارة على تعزيز الجوانب الأخلاقية والعلمية لدى أطفالنا.
كما أوضح الوزير أن هذا الجهد سيصاحبه تكليف معلمي الوزارة باستقبال الأطفال في الفترة الصباحية بالمساجد، وتجهيزها بالوسائل التعليمية المناسبة، وتدعيم باحاتها بالألعاب حرصًا على الجمع بين الجوانب التعليمية والترفيهية للأطفال.
ومن المقرر أن يبدأ تفعيل بروتوكول التعاون عاجلًا وبصفة تجريبية في محافظة قنا، تمهيدًا لتعميم التجربة على مستوى الجمهورية.
وأوضح الوزيران أن المشروع يهدف إلى استثمار الوقت الصباحي بالمساجد لخدمة الأطفال في مرحلة رياض الأطفال، وسيتخلل ذلك تعاون بين الوزارتين لفرش المساجد وتجهيزها بما يلزم لتحقيق أهداف التنشئة الصحية للأطفال، وبما يتيح سرعة طي الفرش قبل أذان صلاة الظهر. وقد اتفق الجانبان على تخصيص مسجد بكل قرية لهذه الغاية.”
إلى هنا انتهت كلمات بيان وزارة الأوقاف ووزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.
وكما توقعتُ تمامًا لما يمكن أن يُكتب في مقدمة الإعلان عن المشروع القومي الخطير بفتح باحة المساجد لتعليم الصغار في الفترة الصباحية إلى ما قبل صلاة الظهر، وكما توقعتُ كان لا بد، بالطبع، أن يُكتب في ديباجة او مقدمة وافتتاحية الخبر الخاص بالبيان المشترك الصادر عن كل من وزارتي التربية والتعليم ووزارة الأوقاف ما تعوَّد على كتابته، الكُتاب والصحافيين المصريين، أو ما صدرت لهم الأوامر العليا بكتابته في مقدمة الإعلان عن تعاون الوزارتين لتحقيق هذا الهدف الخطير. كان من الطبيعي أن يتصدر بداية كل خبر أو عمل أو مشروع قومي ذكر اسم من أسماء الكبار في مصر، كالسيد رئيس الجمهورية نفسه، ويُذكر أنه بتكليف أو أوامر أو توجيهات منه شخصيًا تم البدء في عمل هذا الأمر أو ذاك. أتذكر أنني وأنا أدرس بكلية الإعلام قسم صحافة كنتُ دائمًا اسأل نفسي: لماذا يتحتم علينا كتابة هذه الديباجة في أول كل خبر نقوم بكتابته؟ حتى أنني رفعتُ يدي في إحدى محاضرات الدكتورة عواطف التي كانت تقوم بتدريسنا علم التحرير الصحفي بالدراسات العليا بكلية الصحافة والإعلام جامعة القاهرة، وكانت يومها تتكلم إلينا نحن طلبة الدراسات العليا عن طريقة كتابة الخبر في الجرائد والمجلات. يومها اتخذتُ د. عواطف مثالًا لما يجب علينا كتابته في ديباجة خبر يحكي عن مداهمة شقة مفروشة والقبض على عصابة تدير بيت للدعارة بإحدى شوارع مدينة المهندسين بمصر. كان هذا الخبر قد نُشر بالفعل في إحدى الصحف اليومية، وكان الخبر يبدأ بالديباجة “بناءً على توجيهات السيد اللواء “فلان الفلاني” وزير الداخلية بتكثيف الجهود على مثل هذه البيوت وإصداره أمرًا بمهاجمة هذا الوكر، قام العميد “فلان الفلاني” نائب السيد وزير الداخلية بإصدار أوامره للسيد العقيد “فلان الفلاني” مساعد أو نائب وزير الداخلية بتكليف الرائد “علان العلاني” بمداهمة الشقة المذكورة بمصاحبة النقيب “فلان” والملازم أول “علان” وقوة من جنود الأمن وتم القبض على مَنْ في الشقة متلبسين في ذات الفعل وتم تقديمهم للنيابة، وهكذا.
أتذكر أنني رفعتُ يدي للدكتورة عواطف وسألتها: ما دخل السيد اللواء وزير الداخلية والسيد العميد مساعد أول وزير الداخلية والسيد العقيد مساعد مساعد وزير الداخلية بشقة مفروشة تدار كوكر للدعارة؟ هل ترك هؤلاء الكبار أعمالهم وأشغالهم وتهديد الجماعات الإسلامية المتطرفة لهم وللبلاد بالحرق والتدمير واهتموا بهذه الشقة المفروشة سيئة السمعة؟ وهل تعتقدين سيادتك يا دكتورة عواطف أن القارئ البسيط العادي ستفرق معه كل هذه الأسماء والرتب والشخصيات الكبيرة وهو يقرأ عن خبر القبض على باغيات تم القبض عليهم في شقة مفروشة؟
نظرت إليَّ الدكتورة عواطف بوجه غاضب وقالت بصوت عالٍ مرتعش: “اسمع يا أستاذ انت، أنا بعلمك طريقة كتابة الخبر، هذا ما علموه لنا ويطالبوننا بتنفيذه وهذا هو السائد في كتابة كل خبر وأنا أقوم بدوري بتعليمكم ما ينبغي عليكم كتابته، و”هو كده وخلاص ومن غير تفسير”. تذكرتُ أيضًا يوم وقف أحد لواءات الجيش المصري وهو طبيب ليعلن في وجود السيد رئيس الجمهورية شخصيًا عن اكتشافه لجهاز يقوم بتحويل “ڤيرس سي” في الجسم إلى كتلة لحمية وعلى حد تعبيره يحوله لـ”صباع كفتة” فيقوم المريض بإخراجه من جسده وبهذا يكون قد شُفي من الڤيرس تمامًا. يومها بدأ هذا اللواء الطبيب الحديث بنفس الجملة التي بدأ بها خبر توقيع بروتوكول التعاون بين وزيرا الأوقاف والتربية والتعليم، هذه الجملة هي “بناءً على توجيهات السيد الرئيس، أو بناءً على التوجيهات الرئاسية”. تذكرتُ هذه الحادثة عندما قرأتُ مقدمة نبأ توقيع “بروتوكول التعاون” والذي استهله كاتبه بعبارة:
“إنفاذًا للتوجيهات الرئاسية: وزيرا الأوقاف والتربية والتعليم يوقعان بروتوكول تعاون لإطلاق حضانات تعليمية بالمساجد.” والحقيقة هي أنه قد تبادرت إلى ذهني عدة أسئلة لا إجابة لها عندي ولستُ أظن أن أحدًا سيجيبني على أي منها، والتي من بينها:
1- لماذا استهل الكاتب الخبر بعبارة إنفاذًا للتوجيهات الرئاسية؟ وهل كانت هذه العبارة من وضع كاتب الخبر أم أن التعليمات الرئاسية صدرت له بكتابتها؟ وما هي الأسباب التي دعت كاتب البيان كتابة هذه العبارة؟ هل ليعطي أهمية خاصة لهذا الخبر أو مشروع الحضانات المراد عمله، أم لإسكات أي أصوات معارضة أو حتى مناقشة لهذا المشروع من أي من عامة الشعب أمثالي، حيث إن المشروع جاء بناءً على توجيهات سيادة الرئيس ومَنْ يستطيع أو يتجرأ أن يسأل أو يعترض على ما يقرره سيادة الرئيس؟ وربما كتبها كاتبها لتصدير سيادة الرئيس في الصورة لإخفاء المفكرين والمخططين والمنفذين الحقيقيين للمشروع والمنوط بهم إتمامه سواء كانوا رجال الأزهر أو وزارة الأوقاف أو الهيئات التعليمية بوزارة التربية والتعليم، وربما ذُكرت هذه العبارة لإخلاء ساحة سيادة وزير التعليم ووزير الأوقاف من النقد والمسئولية إذا أخفق الأمر ولم يحقق المشروع النتائج الموعود بها، أو ربما لأسباب لا يعرفها إلا علام الغيوب وحده لا شريك له.
سؤال آخر لا إجابة له إلا في فكر المؤلفين والمخططين والمنفذين للمشروع وهو: هل فكرة إطلاق حضانات تعليمية بالمساجد هي فكرة نابعة من قلب وعقل سيادة الرئيس أم أن آخرين ألحوا عليه وأقنعوه بإصدار أوامره بتنفيذها؟
ثم متى جاءت هذه الفكرة إلى عقل سيادة الرئيس؟ هل حديثًا أم منذ أن تولى حكم البلاد المصرية ولم يكن الوقت مناسبًا لتنفيذها حتى الآن؟ فالمشكلة المراد حلها بالحضانات موجودة من عشرات السنين، فلماذا طفت على السطح الآن واتُخذت فيها قرارات عاجلة بأوامر وتوجيهات من سيادة الرئيس شخصيًا أطال الله عمره؟ أما آخر سؤال طرأ على بالي في هذه الجزئية بالذات فهو: كيف يفكر سيادة الرئيس في مشروع مثل هذا ولا يفكر فيه الذي هو من المفترض أن يكون الرجل الأول الذي يفكر فيه ألا وهو سيادة وزير التربية والتعليم، حيث إن هذا من صميم عمله واختصاصه ومسئوليته أمام الله وسيادة الرئيس وأولياء أمور الأطفال والناس جميعًا في مصر؟
2- أما السؤال الرئيسي الثاني والذي تتفرع منه عدة أسئلة فرعية أيضًا فهو: ما هو السبب الحقيقي الذي أدى إلى اتخاذ هذا القرار وفي هذا الوقت بالذات؟ وما هو الهدف أو الأهداف التي يراد تحقيقها من هذا المشروع؟ أما الإجابة على أسئلتي السابقة الواردة في هذه الجزئية بالذات فقد ذكر البيان بعضها والتي منها:
أ- تحقيق التعاون بين الوزارات لخدمة المواطنين، ولتوقيع برتوكول تعاون بين الوزارتين. أليس من البديهي أن تعمل الوزارات معًا لخدمة المواطنين سواء تم توقيع بروتوكول تعاون أم لا؟ هل يحتاج التعاون بين الوزارات المختلفة في البلد الواحد والتي هي تحت رئاسة واحدة إلى قرار من سيادة الرئيس للتعاون بينها وبين بعضها أو إلى توقيع بروتوكول تعاون لخدمة المواطنين؟
ب ـ أما السبب أو الهدف الثاني من المشروع حسب ما جاء في البيان فهو: الاستفادة من المساجد في تقديم خدمات رياض الأطفال قبل سن التعليم الإلزامي. أليس هذا هو ما ينبغي أن يكون دور المساجد والكنائس والمعابد اليهودية إن وُجِدَتْ في مصر دون بروتوكول أو تكليف من سيادة الرئيس؟ أليس هذا ما كان من المفترض أن يحدث بالفعل، وإلا فماذا كانت تعمل وزارتا الأوقاف والتعليم ووزراؤهما قبل دراسة هذا المشروع؟ أم أن الهدف من المشروع هو تقنين الموضوع وتثبيته بأمر رئاسي والإنفاق عليه وعلى العاملين به من أموال الدولة وإلزام الدولة بتغطية نفقاته، وإضافة المزيد من النفقات والأعباء على دافعي الضرائب مسلمين ومسيحيين؟
3- أما السبب أو الهدف الثالث من المشروع حسب ما جاء في البيان فهو: تنسيق الجهود لغرس القيم الأخلاقية وتعزيز الهوية الوطنية لدى النشء. والسؤال الذي لا بد أن يطرح نفسه هو: مَنْ هم الذين سيغرسون القيم الأخلاقية وتعزيز الهوية الوطنية لدى النشء؟ أليسوا هم نفس المدرسين والأئمة والمسئولين عن هذا الأمر البديهي وهو غرس القيم الأخلاقية وتعزيز الهوية الوطنية لدى النشء منذ سنين وسنين؟ فماذا فعلوا في عشرات السنين السابقة التي كانت لهم الفرصة فيها لتحقيق ما يريده اليوم سيادة الرئيس والمسئولون عن الأطفال؟ هل حصدنا من تعليمهم للصغار غير التطرف الديني والتشوه الخلقي والتشويش الذهني للصغار وتربية شباب لا يعرف في حياته سوى الاستهتار بكل القيم والتعاليم الدينية والأخلاقية او التطرف وقتل الآخر وتفجير النفس وحتى إمكانية أكل عدوه الكافر كما تعلِّمهم كتب الأئمة والسلف غير الصالح ورجاله والمناهج الأزهرية وغيرها؟
4- أما أعجب فقرة جاءت بالبيان فهي التي تقول:
“أن المساجد ينبغي أن تتحرك لدعم كل الجهود التعليمية للدولة، فغرس القيم الأخلاقية والدينية في نفوس الطلاب وترسيخ الانتماء الوطني يمثلان ضرورة مُلحَّة في ظل ما يواجهه أبناؤنا من انفتاح شديد على الوسائل الرقمية الحديثة، والسؤال هنا هو: ما هي الوسائل الرقمية الحديثة التي يواجهها أبناؤنا ويخشاها الأئمة والمدرسون، لأن البيان لم يذكر ما هي بالضبط؟ وهل سيعلمون أولادنا أن يبتعدوا عن الوسائل الرقمية الحديثة، ولماذا؟ وكيف يبتعدون عنها وهي جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية المثيرة؟ وهل ستُعَلِم المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية نفس المبدأ فنصبح في انغلاق شديد بدلًا من الانفتاح الشديد؟
5- جاء في البيان أن من بين أهداف هذا التعاون والبروتوكول هو أن هذا المشروع والتعاون “يحقق أهداف بناء الشخصية المصرية الأصيلة، وتنمية حب القراءة والاطلاع، وربط الأجيال بتراثها الثقافي والحضاري”.
ياه، يا سبحان الله، هل سيتم حصاد كل هذه الفوائد في الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 6 سنوات وقبل أن يدخلوا التعليم الابتدائي الإجباري؟ ترى مَنْ وضع هذه الأهداف الكبرى وما هي دوافعه الحقيقية لتقديم ولبيع هذا البيان لسامعيه؟ وهل هو شخصيًا مقتنع بما كتبه وصدَّره للناس أم هذا هو كلام الجرائد أو لزوم الخطابة التي يكتبها الخطيب ويقرأها على سامعيه مفترضًا أنهم من الغباء بكفاية حتى يصدقوا كل ما يُكتب لهم في الجرائد أو يقال لهم من على المنابر في الكنائس أو أماكن الخطابة في المساجد؟ هل يعرف الصغار الأقل سنًا عن 6 سنوات القراءة حتى ينمي فيهم هذا الأمر، أي حب القراءة؟ أي إطلاع وقراءة هذه التي سينمي هذا المشروع حبها في الأطفال الذين دون السادسة، أهي قراءة أ، ب، ت؟ وإن كان الأمر كذلك، فكيف لم تنمِ الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية حب الإطلاع والقراءة في الكبار وبناء الشخصية المصرية الأصيلة لشباب تخرج من المرحلة الثانوية وبعضهم لا يعرفون القراءة حتى الآن؟
يا قوم احترموا عقولنا واتقوا الله فيما تكتبونه وتصدرونه لنا من مثل هذا الكلام، فنحن لا نصدق كل ما تقولون أو تكتبون وتحاولون إقناعنا به.
6- جاء في البيان “كما أوضح الوزير أن هذا الجهد سيصاحبه تكليف معلمي الوزارة باستقبال الأطفال في الفترة الصباحية بالمساجد، وتجهيزها بالوسائل التعليمية المناسبة، وتدعيم باحاتها بالألعاب حرصًا على الجمع بين الجوانب التعليمية والترفيهية للأطفال”.
وسؤالي هو: مَنْ هم معلمو الوزارة الذين سيتم تكليفهم باستقبال الأطفال في الفترة الصباحية بالمساجد؟ وهل ستقوم وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني بتعيين مدرسين متخصصين في هذا المجال أم ستستخدم نفس مدرسي الوزارة المعينين سابقًا؟ وهل لدينا الكوادر الكافية لهذا العمل أم ستفتح وزارة الأوقاف باب التعيين لخريجي المدارس الثانوية أو الكليات الأزهرية للعمل كمدرسين لهذه الكتاتيب؟ وهل ستقوم وزارة التربية والتعليم بتدريس نفس المناهج الأزهرية للمرحلة الابتدائية والتي يعلِّمها المدرسون الأزهريون للتلاميذ في صفوفهم الأولى؟
عشرات الأسئلة لا إجابة لها كما قلتُ سابقًا، وأظن أنه حتى المسئولين عن هذا المشروع لا يعرفون الإجابة عليها كلها لكن المهم في الأمر أن يُثْبِت ويُثَّبت الأزهر أن هناك صحوة إسلامية في مصر تحت إشراف رجاله وبرعاية ورئاسة الزعيم أطال الله عمره.
والحقيقة هي أنني لا أستطيع أن أنهي أسئلتي هذه للمسئولين في مصر عن الدين والتعليم والأخلاق دون أن أسألهم: وماذا عن أطفال المسيحيين، هل ستشملهم هذه الكتاتيب أم لا؟ أما الإجابة على سؤالي هذا فأسمعها تأتيني من بعيد، من غرفة مغلقة تضم العديد من شيوخ الإسلام المهتمين بمثل هذا المشروع القومي الخطير وهم من مختلف المرجعيات والتوجهات والهيئات الجماعات الإسلامية والسلفية. أسمعهم وهم يتعاركون بعضهم مع بعض حول إجابة هذا السؤال، فمنهم مَنْ يقول: “يا ريت يبعت لنا المسيحيون أطفالهم حتى نعلمهم الإسلام ونردهم عن ضلالهم ونضمن نموهم العقلي والنفسي والمعرفي في دين الحق وليس الباطل والضلال”، وأسمع آخرين يقولون: “لا، مالنا نحن وأطفال المسيحيين الضالين. إن تركيزنا وخدمتنا وتربيتنا وتدعيمنا المادي والتربوي لا بد أن يتجه نحو أطفالنا المسلمين ولا دخل لنا بأطفال المسيحيين”، وتقول فئة ثالثة: “الحقيقة لم نفكر في أطفال المسيحيين عندما خططنا لتنفيذ هذا الأمر ولذا فنحن في حاجة إلى إعادة التفكير فيه من منطلق وجود أطفال مسيحيين”، وتقول رابعة: “حتى لو فتحنا باب القبول في هذه الكتاتيب لأطفال المسيحيين فلن يقبل أولياء أمورهم هذا العرض ولن يقبلوا بأي شكل من الأشكال أن يتعلم أولادهم أي شيء عن الدين الإسلامي”، وتقول خامسة: “المسيحيون في قرى الصعيد والوجه البحري لا حول لهم ولا قوة وهم يعرفون أنهم إذا لم يقبلوا أن يرسلوا أولادهم إلى مشروعنا العظيم هذا فلا بد لنا أن نجبرهم ونُقَوِّمْ مُنْكَرَهم بأيدينا، فإن لم يقبلوا إرسال أولادهم إلى كتاتيبنا لنردهم عن ضلالهم فلدينا الوسائل التي تجبرهم على ذلك”.
وبناءً على تخيلاتي السابقة فأنا أوجه سؤالي للمسئولين عن الطوائف الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية المصرية: ماذا أنتم فاعلون تجاه هذا الأمر؟ فوفقًا للبيان السابق أطفال المسلمين ستقدم لهم خدمات رياض الأطفال قبل سن التعليم الإلزامي، حتى إذا وصلوا للعمر الذي يكونون فيه مستعدين للالتحاق بالمدرسة الابتدائية يكونون قد تأصلوا في تعاليم ديانتهم وهذا بالطبع من حقهم وواجبهم تجاه أولادهم، لكن السؤال: ماذا عنكم أنتم يا قادة الكنيسة؟ فماذا يشغل بالكم ويستحوذ على اهتمامكم اليوم يا قادة الكنيسة؟ لقد أوضح وزير الأوقاف “أن هذا أحد أعظم أهداف وزارة الأوقاف”، فما هي أعظم أهدافكم أنتم يا رؤساء الطوائف المسيحية في مصر؟ وقال سيادته: “أن المساجد ينبغي أن تتحرك لدعم كل الجهود التعليمية للدولة، فغرس القيم الأخلاقية والدينية في نفوس الطلاب وترسيخ الانتماء الوطني يمثلان ضرورة مُلحَّة في ظل ما يواجهه أبناؤنا”، وأنتم ماذا تقولون في هذا؟
هل لديكم يا قادة الكنيسة خطة ومشروع موازٍ لخطة ومشروع فتح المساجد للأطفال للتعليم؟ هل يمكنكم أن تطلبوا من كنائسكم أن تفتح أبوابها يوميًا، ولفترة تطول أو تقصر، للأطفال لتعليمهم وتربيتهم على المبادئ والفضائل والتعاليم الكتابية المسيحية الصحيحة، حتى متى جاء وقت دخولهم إلى المدارس الابتدائية يكون لديهم حصيلة من دعائم الإيمان المسيحي فلا يستطيع مَنْ تسول له نفسه من مدرسي اللغة العربية أن يلعب في عقول الأطفال ويخربها ويشوه ما بها ويفقدها إيمانها بالمسيح؟ هل ستطلبون من الدولة أن تقوم بالإنفاق على مشرع قبطي لتعليم الأطفال كما ستقوم بالصرف على المشروع الإسلامي؟ ألستم من دافعي الضرائب للدولة مثل المسلمين أيضًا؟ أم ستواجهون هذا الحدث بنفس الروح الخانعة الخاضعة التي واجهتم بها فكرة إنشاء جامعة الأزهر ومنع أولادكم من الالتحاق بكلياتها، لا لشيء إلا لأنهم مسيحيون وجامعة الأزهر للمسلمين فقط للحفاظ على أن تكون نسبة المتعلمين من المسلمين أضعاف المتعلمين من المسيحيين؟ ألم تتعلموا الدرس من أخطائكم فيرفع أحدكم صوته للرئيس الذي يزوركم كل عيد ميلاد ويحلف لكم أنه ليس هناك مسيحي أو مسلم بل هناك مصري فقط؟ ألا تطالبونه بتفعيل تلك الأقسام بأن يأمر بتطبيق نفس هذا البرنامج على أطفال المسيحيين وتمويله؟
وحيث إنني أعلم أنكم لن تفعلوا هذا لذا فأنا أوجه كلامي للسيد الرئيس السيسي وأطالبه بعمل نفس هذا الأمر بالنسبة للأطفال المسيحيين على نفقة الدولة، فأنت قلت إنك رئيس مصري لكل المصريين، للمسلمين والمسيحيين، لذا فنحن ننتظر تحقيق وعودك وما خرج من شفتيك. أعلم يا سيادة الرئيس أنه من الطبيعي والمنطقي أنك لن تلتفت لما كتبته أنا سابقًا أو ما أكتبه الآن في مقالي هذا، ولك كل الحق والعذر أن تفعل ذلك ما دام قادة الكنيسة لم يخاطبوك أنت شخصيًا ويبحثوا هذا الأمر معك أو مَنْ ينوب عنك، لذا فسأكرر سؤالي لكم أيها القادة المسيحيون ورؤسائهم: هل سيتجرأ أحدكم على أن يطلب من سيادة الرئيس والسيد وزير التعليم أن يعامل أطفالكم بالمثل ويؤسس رياض للأطفال المسيحيين في الكنائس أيضًا، على أن تكون مدفوعة التكلفة وممولة من أموال الضرائب كما هو الحال مع المسلمين؟ لا أعتقد أنكم بقادرين على فعل ذلك، ولذا فأنا أقترح عليكم شيئًا آخر: هل يمكنكم أن تجلسوا معًا حول مائدة مستديرة كمسئولين عن الطوائف المسيحية الثلاث وتخرجوا لنا بخطة مماثلة لخطة وزارة الأوقاف ونحن، أقباط المهجر، على استعداد لأن نمولها من أموالنا التي ربحناها بعرقنا وجهدنا وكدنا بعد أن اضطررنا إلى الفرار من مصرنا، تاركين أرضنا، وطفولتنا، وماضينا، وحاضرنا، وتغربنا في بلاد فتحت أحضانها لنا، وأعطتنا كل الفرص لنحصل على أعلى شهاداتها العلمية والعملية، وقامت بتعييننا في أكثر المواقع أهمية وحساسية وسرية فيها، حيث إنه لا فرق لديها بين أمريكي أو أعجمي، مولود في أمريكا أو أفغانستان، لا فضل لأحدنا على الآخر إلا بالعلم والخبرة والمعرفة والكد والعمل؟ فاعلموا يا قادة الكنيسة أن كل واحد منكم سيعطي حسابًا للمسيح الديان العادل يوم الدين عما فعل تجاه هذا الأمر، سيعطي حسابًا إمام كرسي المسيح إن كان مخلصًا مغفور الخطايا بدمه تبارك اسمه أو أمام العرش الأبيض العظيم أن لم تكونوا قد قبلتموه حتى الآن مخلصًا شخصيًا لكم، فالله لا يحابي الوجوه، ولن تنفعكم كراسيكم أو رتبكم الكنسية أو أنواع غطاء رؤوسكم أو ياقات قمصانكم أو زخارف أروابكم يوم لا ينفع مال أو بنون إلا مَنْ أتى الله بقلب سليم مغفور الإثم ومغسولًا بدم المسيح يسوع تبارك اسمه. اللهم أنقذ أطفالنا من كل خطط الشيطان الرجيم، وافتح عيون وقلوب وأذهان قادة الكنيسة أيها الإله الرحيم. اللهم أحفظ أبناءنا من مؤامرات عدوك وأعطنا العقل والقلب الفهيم. اللهم أعطنا تمييزًا لأفكار ومكر عدوك وامنحنا التصرف السليم، أعطنا حكمة وفهم ومعرفة لنكشف ونقاوم ونثبت ضد مخططات الزنيم. اللهم إني قد بلغتُ اللهم فاشهد واستجب صلاتي يا أرحم الراحمين.