هل يمكن للإيمان والشك أن يتعايشا؟ أليس الشك والإيمان طرفين نقيضين؟ هل الشك أمر جيد أم سيئ؟
في عصر التفكير النقدي، يشكّ الكثير من الناس في معتقداتهم. تعلّم الكنائس العقائد وتعرض إيمانها على أنه يقيني، كما لو أنه لا مجال للشك. أما الأوساط العلمانية والعلمية فهي مرتبطة جوهريًا بالشك. يقول كلود برنار، أبو الفسيولوجيا الحديثة، إن الشاك هو “العالِم الحقيقي؛ فهو يشك بنفسه وبتفسيراته، لكنه يؤمن بالعلم”.
فهل يمكن للإيمان والشك أن يتعايشا؟ أليس الشك والإيمان طرفين نقيضين؟ هل الشك أمر جيد أم سيئ؟ يحاول هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة.
أنواع الشك: جيد أم سيئ؟
عادةً ما ينظر المسيحيون إلى الشك على أنه شيء سيئ. يشجع العديد من الرعاة جماعاتهم على “الإيمان فقط”، ويستشهدون بآيات مثل (مت17 :20؛ ومرقس 4 :40). وربما تكون الآية الأكثر اقتباسًا هي قول يسوع: “الحق أقول لكم: إن كان لكم إيمان ولا تشكون، فلا تفعلون أمر التينة فقط، بل إن قلتم لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر، فيكون. وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه” (متى 21:21).
هذا المقال لا يهدف إلى دحض مثل هذه العظات، بل لمساعدة من يعانون من الشك على مراجعة نوعية الشك التي يمرون بها، والعثور على راحة في الشك من دون فقدان الإيمان أو ممارسة إيمان أعمى.
بسبب الصورة السلبية للشك، يظن كثيرون أنه جزء من طبيعة الإنسان الساقطة، وبالتالي يجب على المؤمنين التخلص منه تمامًا والتوقف عن التساؤل حول إيمانهم. لكن السؤال المطروح هنا هو: هل الشك دائمًا سيئ؟
تقول آن فاغو-لارغو: “الفرق بين الشك الدوغمائي والشك العلمي هو أن المتشكك يظل في شك دائم، بينما الشك بالنسبة للعالِم هو مؤقت، تعليق للحكم لتجنّب التوصل لاستنتاجات خاطئة بسرعة.”
هذا التمييز يسمح للقارئ بالتفكير بأن هناك أنواعًا مختلفة من الشك، وبعضها صحي وجيد، بينما البعض الآخر ضار أو مدمّر.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات غير الموثوقة، أصبح الشك أكثر شيوعًا. فبينما المعلومات متوفرة بضغطة زر، فإن التحقق منها ليس دائمًا ممكنًا. في العلم، الشك هو نقطة الانطلاق لأي بحث؛ إنه ما يدفع للبحث عن المعرفة.
وينطبق المبدأ ذاته على الحياة اليومية: فإذا اقترب السائق من تقاطع دون أن يتساءل عمّا إذا كانت هناك سيارات قادمة، فإن خطر وقوع حادث يزيد.
الشك الصحي يعني تأجيل إصدار الحكم إلى حين توفر الأدلة الكافية.
في الطب، يُشجع الأطباء على مصارحة المرضى بشكوكهم، لأن المعلومات حتى وإن كانت مؤقتة قد تساعد المرضى على اتخاذ قرارات حياتية مهمة.
لذلك، لا ينبغي اعتبار الشك أمرًا سلبيًا في حد ذاته، بل ينبغي تعلّم كيفية توظيفه بحكمة.
أنواع الشك: واقعي أم عاطفي
عندما يتعلق الأمر بالدين، غالبًا ما يُنظر إلى الشك على أنه شيء سلبي – نقيض الإيمان. يُقال لنا إن أبطال الكتاب المقدس نادرًا ما شكوا بالله. لكن هل هذا صحيح؟
يعرّف غاري هابرماس الشك بأنه: “عدم اليقين بشأن الله أو علاقتنا به”.
ويُقسّم أنواع الشك الديني إلى: شك واقعي، شك عاطفي، وشك إرادي (مرتبط بالإرادة).
ويستنتج أن الشك العاطفي لا يتحدد بأسئلة المشكك، فحتى لو أُجابت تلك الأسئلة، يبقى الشك قائمًا.
في الواقع، “غالبًا ما يعتقد المشككون عاطفيًا أنهم على بُعد كتاب دفاعي واحد من حل معاناتهم، لكن أملهم المؤقت يتبعه مرة أخرى تحدٍّ عاطفي جديد.”
لذا، من الضروري جدًا تعريف نوعية الشك الذي يعاني منه المؤمن: هل هو واقعي ويحتاج إلى أدلة؟ أم عاطفي ناتج عن مشاعر غضب أو ألم؟
نوع الشك: الشك الكتابي
في إطار المسيحية، هل من الخطأ الشك؟
هل من الخطأ الشك في الكتاب المقدس، أو في تاريخه وأصالته؟
في الواقع، كثير من أعظم المؤمنين بدؤوا كمشككين، وانتهوا كمؤمنين بعد بحث جاد، ومن هنا نشأ علم الدفاعيات (الأبولوجيتيكس).
عندما بدأت البدع تنتشر في المسيحية المبكرة، دافع آباء الكنيسة مثل جستن الشهيد، إيريناوس، وترتليان عن الكتاب المقدس باستخدام أساليب فلسفية وتاريخية.
لاحقًا، بعد الثورة العلمية، استخدم مدافعون مثل هنري موريس، وجون لينكس، وأليستر مجراث العلم للدفاع عن رواية الكتاب المقدس.
حتى في الكتاب المقدس، شكّ أنبياء ورسُل في إيمانهم. أيوب وتوما هما من أشهر المشككين في الكتاب المقدس، وقد عبّر كلاهما عن شكوك كثيرة، دون الوقوع في اليأس.
حالة أيوب
يعرض سفر أيوب مادة غنية حول الشك تجاه الله.
القصة باختصار: سمح الله للشيطان بأن يجرّب أيوب، الذي كان رجلاً بارًا ذا إيمان عظيم (أيوب 1 :6-12؛ 2 :1-7).
قُتل أولاده، وهلك خدمه وماشيته، وأصيب هو بتقرحات مؤلمة على كامل جسده.
حتى زوجته قالت له: “بارك الله ومت” (أيوب 2 :9).
وسط هذا الألم، عبّر أيوب عن تساؤلات مؤلمة وتمنّى الموت (أيوب 6 :8-9).
تساءل إن كان الله يضطهده بينما يبارك الأشرار (أيوب 10 :3).
طلب من الله أن يتركه وشأنه (10 :20-21)، وأن يتوقف عن إخافته (13 :21)!
بل تحدّى الله إلى مناظرة (13 :3)، ورأى أنه يحق له الدفاع عن نفسه (23 :4-5).
لكن الله ظل صامتًا (19 :7؛ 30 :20).
كل هذه التساؤلات كانت تعبيرًا عن شك عاطفي. لاحقًا، تاب أيوب، لكنه استمر في طرح أسئلة جيدة.
أهم سؤال طرحه: “أين يوجد الحكمة؟ وأين موطن الفهم؟” (أيوب 28 :12، 20).
وكان الجواب: “ها إن مخافة الرب هي الحكمة، والحيدان عن الشر هو الفهم” (أيوب 28 :28).
لم يبيّن الكتاب سبب معاناة أيوب، لكنه “أدرك أنه يعرف ما يكفي عن الله ليثق به حتى فيما لا يفهمه” (42 :1-6).
حالة توما
في يوحنا 20، وبعد القيامة، يُعرف توما بـ”توما المشكك” عندما قال: “إن لم أُبصر في يديه أثر المسامير، وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه، لا أؤمن” (يوحنا 20 :25).
فيما بعد، ظهر يسوع للتلاميذ ودعا توما ليلمس جراحه. كانت دعوة للتحقيق والإيمان.
لم يخطئ توما بشكه، لكنه فاته التطويب الذي ناله الذين آمنوا دون أن يروا (يوحنا 20 :29).
يقول هابرماس: “قصة توما المشكك هي على الأرجح أشهر مثال على الشك في العهد الجديد… على الرغم من أن يسوع وفّر له الدليل، إلا أنه وجه له لومًا بسيطًا، وكان من الأفضل لو آمن بشهادة الرسل الآخرين”.
الكتاب المقدس لا يقول: “آمن فقط ولا تسأل.”
بل يقول يسوع: “اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم” (متى 7 :7).
في لحظات الشك، اسأل، فتش، صلِّ.
يسوع لا يمانع استخدام الأدلة للإجابة عن الشكوك-وهذا ما يعلّمه الكتاب المقدس.
الخلاصة
ليس كل شك مرفوض، وليس كل سؤال خطيئة.
في الكتاب المقدس، يتم توبيخ بعض الشك، لكن الله يُكرم التوبة، كما في حالة أيوب.
يسمح الله بالتعبير الصادق عن المشاعر، حتى وإن كانت غير لائقة أو غير صحيحة.
لكن هذا لا يعني أن لنا الحرية المطلقة في لوم الله على كل ما يحدث.
هناك فرق كبير بين تساؤلات صادقة وآنية، وبين موقف دائم يتحدّى شخصية