جريدة الطريق

من هو هذا

د. ناجي يوسف
مَنْ هو هذا؟ سؤال حير الأجيال، وتضاربت في إجابته الأقوال، وظلت إجابته سرًا وستبقى إلى نهاية الآجال، سر لم ولن يُكشف أو يُكتشف إلا لمن قبلوه، الذين أعطاهم تبارك اسمه أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه، الذين وُلِدوا ليس بمشيئة جسد او مشيئة رجل بل من الله. سؤال سأله الناس بعضهم لبعض وما حصلوا في النهاية على إجابة شافيه كافيه له، سؤال بسيط، صغير في عدد كلماته وحروفه، لكنه أكبر وأعظم الأسئلة التي حاول العلماء والفلاسفة والملوك ورجال الأديان على اختلافهم ومنهم القسوس والكهنة والخدام، حاولوا جميعًا أن يجدوا له إجابة واحدة بسيطة وافية وكافية له على مر العصور والأزمان واختلاف نوعيات البشر وخلفياتهم ومستوياتهم العلمية والثقافية والدينية بمن فيهم تلاميذ المسيح أنفسهم الذين ساروا معه بالجسد على الأرض لمدة ثلاث سنين وثلث السنة، والذين كانوا هم أول مَنْ سألوا هذا السؤال بعضهم لبعض، لكنهم جميعًا ما توصلوا للإجابة.
كان سؤال تلاميذ المسيح، تبارك اسمه، مَنْ هو، هذا ناتجًا عن حيرتهم وتعجبهم من قوته وسلطانه على الطبيعة والرياح والأمواج وهم في وضع لا يحسدوا عليه، إذ يقول الكتاب المقدس عن هذه الواقعة: “وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ دَخَلَ سَفِينَةً هُوَ وَتَلاَمِيذُہُ فَقَالَ لَهُمْ: «لِنَعْبُرْ إِلَى عَبْرِ الْبُحَيْرَةِ». فَأَقْلَعُوا. وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ. فَنَزَلَ نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ وَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مَاءً وَصَارُوا فِي خَطَرٍ، فَتَقَدَّمُوا وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ يَا مُعَلِّمُ إِنَّنَا نَهْلِكُ!». فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَتَمَوُّجَ الْمَاءِ فَانْتَهَيَا وَصَارَ هُدُوءٌ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟» فَخَافُوا وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: «مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الرِّيَاحَ أَيْضًا وَالْمَاءَ فَتُطِيعُهُ،»”. وفي رواية أخرى لنفس الحادثة، يقول البشير مرقس: “فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ فَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى السَّفِينَةِ حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ. وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا. فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟» فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «اسْكُتْ. ابْكَمْ». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هَكَذَا؟ كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ؟» فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!”.
وهناك سؤال مفتاحي لمعرفة إجابة السؤال الذي سأله التلاميذ لأنفسهم وهم في حالة من الدهشة والذهول والخوف من السلطان الذي لمعلمهم لدرجة أن يوقف الريح ويهدئ الأمواج بكلمة من فمه تبارك اسمه، والذي جعلهم يسألون بعضهم البعض: “مَنْ هو هذا”، ولعله من الواضح لكل ذي عقل والقليل من المعرفة والحكمة أن القصة لا تقول إن المسيح تبارك اسمه قام من نومه وصلى وطلب من الله أن يستجيب له ويمنحه بإذنه أن يهدئ الريح ويسكن الأمواج، أي أنه لم يعمل ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى بل عمله بالسلطان الذي له في ذاته كالله الظاهر في جسد المسيح، وهذا السؤال المفتاحي هو: لماذا لم يجد أي من الخلق إجابة شافية كافية للسؤال “مَنْ هو هذا؟”؟ أقول:
أولًا: لم يجد المعاصرون لحياة المسيح على الأرض إجابة شافية كافية للسؤال: “مَنْ هو هذا؟” بسبب عدم إيمانهم بمن هو هذا الشخص النائم في المركب، بالرغم من أنه تبارك اسمه كان اهتمامه الأول هو شرح وتوضيح وإثبات أنه “ابن الله” ليس بالمفهوم الجسدي الأضيق الذي ما يزال الغالبية العظمى من البشر يظنونه ويرفضونه والذي لم يفهمه كتبة القرآن فكتبوا: “مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ”، بل بالمفهوم الكتابي اللاهوتي المسيحي، أي “الله المتجسد” في المسيح يسوع تبارك اسمه. وقد أكد يسوع هذه الحقيقة بنفسه في تعاليمه لتلاميذه ورسله المكرمين عدة مرات، كقوله تعالى لهم: “مَنْ رآني فقد رأى الآب”، عندما سأله تلميذه فيلبس قائلًا: «يا سيد، أرنا (الله) الآب وكفانا». قال له يسوع: «أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس! الذي رأني فقد رأى (الله) الآب، فكيف تقول أنت: أرنا الآب؟ ألست تؤمن أني أنا (المسيح) في (الله) الآب والآب في؟ الكلام الذي أكلمكم به لستُ أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال. صدقوني أنى في (الله) الآب و(الله) الآب فيَّ، وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها”.
وفي مناسبة أخرى، قال المسيح عن نفسه: “أنا (المسيح) و(الله) الآب واحد”.
وقال في موضع آخر عن نفسه: “فالذي (المسيح) قدسه (الله) الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له (للمسيح): إنك تجدف، لأني (أنا المسيح) قلتُ: إني (أنا المسيح) ابن الله؟” وفي أثناء محاكمته أمام بيلاطس يقول الوحي الإلهي: “فلما رآه (يسوع المسيح) رؤساء الكهنة والخدام صرخوا قائلين: «أصلبه! أصلبه!». قال لهم بيلاطس: «خذوه أنتم واُصلبوه، لأني لستُ أجد فيه علة». أجابه اليهود: «لنا ناموس، وحسب ناموسنا يجب أن يموت، لأنه جعل نفسه ابن الله”.
وحيث إن هذه الحقيقة يصعب على البشر فهمها أو قبولها بسهولة، لذا، وكتحصيل حاصل، يصعب عليهم جدًا أن يجدوا إجابة شافية كافية وافية للسؤال “مَنْ هو هذا!؟”.
وإحقاقًا للحق أقول إن الحقيقة السابقة يصعب على البشر فهمها لأن المنطق والمفاهيم والمُسَلَّمات البشرية تقف حائلًا ضد ذلك، فإذا كان المسيح يسوع تبارك اسمه هو الله كما يعلِّم الكتاب المقدس بكل وضوح، فكيف للعقل البشري أن يقبل أن الله غير المحدود يتواجد ويمشي بين الناس في صورة جسد محدود، بشر مثلنا، وكيف يتعب الله من السير إن كان هو المسيح؟ وكيف يأكل؟ وكيف يشرب؟ وكيف يدخل إلى دورة المياه، وغيرها الكثير، هل هذا كلام يصدق حتى إن قيل من أعقل العقلاء من البشر؟ وللإجابة على هذه الجزئية بالذات لا بد من إجابة الأسئلة التالية:
أ- هل وحدانية الله تبارك اسمه وحدانية مطلقة، أي أنه واحد أحد كما يؤمن المسلمون وبقية الخليقة كلها على حد علمي، أم هي وحدانية جامعة والذي يعبِّر عنه اليهود والمسيحيون باستخدام كلمة إلوهيم، صيغة الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في أول آيات العهد القديم، والذي يعبِّر عنها المسيحيون في العهد الجديد بالأقاليم الثلاثة، الآب والابن والروح القدس؟ حيث إن كلمة أقنوم في اللغة السريانية تعبِّر عن شخصيات متميزة لكن غير منفصلة عن بعضها البعض. فإذا كانت وحدانية الله وحدانية مطلقة لكان من المستحيل على العقل البشري أن يقبل أو يؤمن أن يسوع بن مريم هو الله كما أعلن هو عن نفسه مرات كثيرة كما سبقت الإشارة. أما إذا كانت وحدانية الله وحدانية جامعة للأقانيم الثلاثة فلا مانع أن يتخذ أحد هذه الأقانيم، وهو المعبَّر عنه بأقنوم الابن، جسدًا بشريًا ويجول بين الناس يشفي ويحرر المتسلط عليهم إبليس حتى من أولئك الذين لا يؤمنون بإلوهيته.
ب- والسؤال الثاني الذي لا بد من الإجابة عليه في هذا المقام هو: هل الله، سبحانه وتنازل إلينا، فعال لما يريد أم لا؟ هل إذا أراد أن ينزل إلى أرضنا التي هي في الأصل أرضه، ينزل في صورة إنسان، فهل هناك مَنْ يستطيع من خلائقه أن يمنعه؟ قد لا تقبل الغالبية العظمى من الخلائق هذا النزول والتجسد، لكن هذا لن يؤثر في قراراته وأفعاله لأنه كلي العلم والحكمة، وهو الفعال لما يريد ولا يستطيع أحد أن يمنعه، فما أبعد أفكاره عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء.
ج- والسؤال الثالث هو: ألا يمكن أن تكون الحقائق الإلهية السماوية فوق إدراك البشر ومُسَلَّماتهم ومعتقداتهم كأن يتجسد أقنوم الابن ويأتي ويحل بيننا كابن الإنسان؟
د- سؤال منطقي آخر ألا وهو: ألم يكن كتبة الوحي الإلهي بشرًا مثلنا يفكرون بطريقتنا ومنطقنا البشري الذي يرفض فكرة تجسد الله الأقنوم الثاني في المسيح حتى يقولوا ويصروا ويستشهدوا في سبيل الدفاع عن هذه الحقيقة وهي أن المسيح يسوع هو الله؟
أما نحن، فقد صدقنا هذه الحقيقة بالإيمان بالمسيح والتي اختبرنا صدقها في حياتنا يوم أن وُلِدنا في عائلة الله، ليس بمشيئة دم أو بمشيئة جسد بل من الله، الحقيقة التي أصبحت، بعد إيماننا القلبي بها، معينًا لنا على فهم كل ما يدور في أذهاننا عن الله وأبوته الروحية للمسيح وبنوة المسيح له، مع أنه سبحانه مساوي لله الآب في جوهر لاهوته السرمدي، الأزلي الأبدي، وهكذا شخص الروح القدس أيضًا.
وللإجابة على السؤال الذي حير الأجيال، “مَنْ هو هذا”، أخط ما تيسر مما قاله عنه الأنبياء “في القديم”، وتلاميذه “في الجديد” والذين رأوه بعيونهم وعاشوا معه وتعلَّموا منه وخرجوا للكرازة باسمه بعد رفعه للسماء وإرساله لنا “الروح القدس”، ليكون للمؤمنين به، تبارك اسمه، كل شيء في كل وقت، وما قالته عنه الملائكة في رسالاتهم التي أتوا بها من السماء، وما قاله هو سبحانه عن نفسه، وهو أصدق القائلين، يوم أن حل بيننا بجسده على الأرض، ورأينا مجده كما لوحيد من الآب مملوء نعمةً وحقًا.
ولعل الملاحظة الجوهرية التي لا يمكن إغفالها والتي هي بيت القصيد، والتي تحل لنا لغز “مَنْ هو هذا؟”، هي أن كل ما قيل عن المسيح، سواء من أنبياء العهد القديم أو رسل العهد الجديد أو الملائكة المبشرين به والدته، تبارك اسمه، أو ما قاله هو، تبارك اسمه، عن نفسه لا يمكن أو يصح أو يستقيم أن يقال عن إنسان، أي إنسان مهما إن كان، إذا كان هذا الإنسان هو مجرد إنسان كأي إنسان آخر مولود من مشيئة رجل وامرأة، ولا يصح أن يقال إلا عن الله القدير تبارك اسمه.
لقد قال عنه الرب الإله في الجنة، بعد السقوط مباشرةً، إنه نسل المرأة، ولاحظ أن الرب لم يقل نسل المرأة والرجل، بل نسل المرأة وحدها، حيث إنه لا دخل للرجل المخلوق على الأرض من ترابها بتجسد المسيح يسوع تبارك اسمه، فلم يكن يوسف الصديق خطيب المطوبة القديسة مريم آنذاك قد عرفها قبل حملها ولم يعرفها “أي “يعاشرها كما يعاشر الزوج زوجته” حتى ولدت يسوع. “فمن هو هذا” الذي ستلده المرأة التي أغواها الشيطان للأكل من الشجرة المحرمة ودفعها لأن تعطي من الثمرة أيضًا لزوجها فأكل؟ فكيف للمرأة التي هزمها الشيطان أن تنتصر عليه هي والجنس البشري كله إلا بأن تلد المبشر به من نسلها، ولدًا قدوسًا، بلا خطية، لينتصر على الشيطان، وينتقم منه، ويشهره جهارًا بموته مصلوب فداءً عن الجنس الساقط كله؟
ومن هنا بدأت قصة التجسد والميلاد المجيد الذي نحتفل به في هذه الأيام من كل عام.
ولعله من الصعب أن نعدد كل ما قيل عن شخص الرب يسوع المسيح في العهدين الجديد والقديم لكثرة ما قيل عنه وفيه، للإجابة على السؤال الذي سأله التلاميذ “مَنْ هو هذا؟”، لذا فأقول بكل اختصار إن هذا هو مَنْ: قال عنه الله الآب أكثر من مرة إنه “ابني الحبيب”، ففي وقت معموديته من يوحنا بالماء أتى صوت من السماء يقول عنه، تبارك اسمه: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررتُ”، ثم عاد نفس الصوت على جبل التجلي ليقول لمن كانوا فوق الجبل: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررتُ له اسمعوا”.
قال عنه جبرائيل الملاك الذي بشر القديسة العذراء مريم بمولده “وها أنتِ ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيمًا وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية”.
وبشرت الملائكة الرعاة يوم مولده، تبارك اسمه، وقال لهم الملاك: “«لا تخافوا. فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة: تجدون طفلًا مقمطًا مضجعًا في مذود». وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”.
“مَنْ هو هذا؟” هو مَنْ قال عن نفسه:
“أنا هو خبز الحياة. مَنْ يقبل إليّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا”.
“أنا هو نور العالم. مَنْ يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة”.
“أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى”.
“أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف”..
“أنا هو القيامة والحياة. مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا”.
“أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي”.
“أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وسأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله”.
“أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء”.
أما ما كُتب عنه، تبارك اسمه، من الرسل والأنبياء في العهدين القديم والجديد فأكثر من أن يُعد أو يُحصى. قال عنه إشعياء: “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام”.
تنبأ ملاخي النبي عن مولده في بيت لحم قائلًا: “أما أنتِ يا بيت لحم أفراتة وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل”.
أما تلاميذه في العهد الجديد، فعندما سألهم، تبارك اسمه: “مَنْ يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟»، “فأجاب سمعان بطرس: «أنت هو المسيح ابن الله الحي». فقال له يسوع: «طوبى لك يا سمعان بن يونا. إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات، وأنا أقول لك أيضًا: أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها”. فمن هو هذا الذي يتكلم عن الكنيسة وكأنها ملك له؟ ومَنْ هو هذا الذي يعلن تحديه وانتصاره على قوات الجحيم ويقول إن أبواب الجحيم، أي إبليس وجنوده، لن تقوى على كنيسته؟ فكم من مرة صرخت الشياطين عندما التقت به قائلة إن لديه القدرة على تعذيبهم وحتى إرسالهم إلى الجحيم قبل الوقت ولم تستطع أن تتحرك من أمامه إلا بإذنه فتخرج صارخة معترفة أنه هو قدوس الله، وهذا ما حدث عن ما قالته الشياطين عنه، تبارك اسمه. يقول الوحي المقدس: “وكان في مجمعهم رجل به روح نجس فصرخ قائلًا: «آه! ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! أنا أعرفك مَنْ أنت قدوس الله!» فانتهره يسوع قائلًا: «اخرس واخرج منه!» فصرعه الروح النجس وصاح بصوت عظيم وخرج منه. فتحيروا كلهم حتى سأل بعضهم بعضا قائلين: «ما هذا؟ ما هو هذا التعليم الجديد؟ لأنه بسلطان يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه!”».
“ولما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جدًا حتى لم يكن أحد يقدر أن يجتاز من تلك الطريق. وإذا هما قد صرخا قائلين: «ما لنا ولك يا يسوع ابن الله؟ أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا؟» وكان بعيدًا منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى. فالشياطين طلبوا إليه قائلين: «إن كنت تخرجنا فأذن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير». فقال لهم: «امضوا». فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير وإذا قطيع الخنازير كله قد اندفع من على الجرف إلى البحر ومات في المياه”. وأخيرًا دعني اسأل سؤالي الأخير وهو: “مَنْ هو هذا” الذي شهد عن نفسه بكل ما شهد عنها وشهد عنه أيضًا الله الجالس على العرش وروحه القدوس وملائكته الأخيار والأشرار والشياطين وأنبياء العهدين القديم والجديد وتلاميذه والمؤمنون به على مر العصور والأزمان؟ أفبعد كل ما ذكرته سابقًا يصح القول: “إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ”؟ “ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ”؟ والتي تعني الذي فيه يشكّون، أو يتجادلون، أو يكذبون في شيء معين.
يا قوم، نحن في معرفة مَنْ هو هذا لسنا نمتر، بل نحن متأكدون وواثقون ومصرون على أن هذا هو المسيح يسوع ابن الله مخلص العالم، فمن قبل هذه الحقيقة وطلب من المولى تبارك اسمه أن يكشف عن عينيه وينير عقله وقلبه بالإيمان بالمسيح يكون في الآخرة من الرابحين، ومَنْ عصى وأصر ولم يطلب من الله إنارة الحياة والخلود أمامه سيكون في الآخرة حتمًا من الخاسرين أصحاب النار ومن الظالمين. فلا مجال بعد اليوم للسؤال عن سيد الأرض والسماء بالقول “مَنْ هو هذا؟”. وكل عام والذين في المسيح يسوع، الذي هو الخير، بخير.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى